يحلّل الكاتب أغيد حجازي التعقيدات السياسية والاقتصادية المحيطة باتفاقات تزويد سوريا بالغاز عبر الأردن ومصر، موضحاً أن ما يبدو حلاً تقنياً لأزمة كهرباء خانقة يخفي في جوهره شبكة إقليمية متشابكة، حيث لا يُعد أي جزيء غاز محايداً سياسياً في شرق المتوسط.


يوضح ذا كرادل أن الاتفاق الموقّع أواخر يناير بين شركة النفط السورية وشركة الكهرباء الوطنية الأردنية لتوريد نحو 4 ملايين متر مكعب يومياً من الغاز، يهدف إلى دعم منظومة الكهرباء السورية، لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤالاً حساساً حول المصدر الحقيقي لهذا الغاز.


اتفاق إنقاذ كهربائي أم إعادة تدوير سياسي؟

 


وقّع الجانبان السوري والأردني الاتفاق بحضور وزيري الطاقة في البلدين، وبدأ الضخ الفعلي مطلع يناير بكميات متدرجة. قدّمت دمشق الاتفاق بوصفه خطوة لتعزيز استقرار التغذية الكهربائية بعد سنوات من الحرب والعقوبات وتدهور البنية التحتية، فيما شددت عمّان على دوره في دعم استقرار قطاع الكهرباء السوري.


لكن منذ اللحظة الأولى، ظهر سؤال محوري خلف لغة «التعاون» و«الاستقرار»: من أين يأتي هذا الغاز فعلياً؟


هل هو غاز مصري؟ أم إنتاج أردني؟ أم غاز إسرائيلي يمر عبر وسطاء عرب قبل أن يصل إلى محطات التوليد السورية؟


المعطيات المتاحة تشير إلى أن الغاز ليس مصرياً بالمعنى الإنتاجي، إذ تعتمد العملية على سفينة تغويز عائمة مستأجرة في ميناء العقبة. كما تظهر بيانات رسمية أردنية أن آخر شحنة غاز مسال وصلت المملكة في نوفمبر 2025 من الولايات المتحدة، وهي كمية لا تكفي سوى لأسابيع قليلة من التصدير إلى سوريا، ما يضعف سردية «الإمداد غير الإسرائيلي».


مصر: منتج أم منصة عبور؟

 


بالتوازي مع المسار الأردني، توصّلت القاهرة ودمشق إلى تفاهم يتيح تزويد سوريا بنحو 1.7 مليون متر مكعب يومياً من الغاز، مقابل سماح دمشق بمرور الغاز والكهرباء من مصر والأردن إلى لبنان عبر أراضيها. هنا تتحول سوريا من متلقٍ فقط إلى عقدة عبور في شبكة طاقة إقليمية أوسع.


تربط هذه التفاهمات بين الملف السوري وأزمة الطاقة اللبنانية، وتضع القاهرة في موقع «الوسيط المستقر». لكن هذا الدور لا يمكن فصله عن بنية واردات مصر نفسها، إذ تستقبل القاهرة حالياً نحو مليار قدم مكعب يومياً من الغاز عبر خطوط قادمة من إسرائيل، إضافة إلى تدفقات عبر الأردن.


في ديسمبر 2025، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إقرار اتفاق غاز جديد مع مصر بقيمة تقارب 35 مليار دولار، يشمل كميات إضافية ضخمة من حقل ليفياثان حتى عام 2040. بهذا، ترسخ إسرائيل موقعها مورداً رئيسياً للغاز في شرق المتوسط عبر «البوابة المصرية».


شبكة مختلطة… والمصدر يذوب في العقد

 


يفسر باحثون في شؤون الطاقة أن النظام الإقليمي يعمل كشبكة واحدة تختلط فيها الجزيئات بمجرد دخولها المنظومة. الأردن يعتمد بنيوياً على الغاز الإسرائيلي لتوليد الكهرباء، مع دور تكميلي للغاز المسال عبر العقبة. ومصر، رغم امتلاكها حقولاً كبرى مثل «ظهر»، تشهد تراجعاً في الإنتاج منذ 2023 مقابل ارتفاع الاستهلاك، ما يدفعها لزيادة الواردات الإسرائيلية وإعادة تسييلها في إدكو ودمياط ثم تصديرها.


ضمن هذا الإطار، يصبح «أصل الغاز» مسألة تعاقدية أكثر منها جيولوجية. فبمجرد دخوله الشبكة، تختفي الحدود بين المصري والإسرائيلي والأميركي، ويبقى التوصيف القانوني رهناً بالعقود لا بالأنابيب.


الأردن وسوريا: بين العجز والوساطة

 


يشير خبراء أردنيون إلى أن حقل الريشة، وهو المصدر المحلي الأبرز، لا يزال محدود الإنتاج مقارنة بالطلب الداخلي، ما يجعل أي تصدير واسع النطاق غير واقعي في المدى القصير. ويكسب الأردن وزناً سياسياً من خلال بنيته التحتية، ولا سيما خط الغاز العربي، الذي يسمح بإعادة توجيه التدفقات دون مشاريع جديدة مكلفة.


في المقابل، تواجه سوريا تراجعاً حاداً في إنتاجها المحلي الذي كان يقترب قبل 2011 من 30 مليون متر مكعب يومياً، ولم يعد يشكل اليوم سوى جزء ضئيل من ذلك. لذا يصبح الغاز المستورد «سياسة بقاء» أكثر منه خياراً استراتيجياً.


بين الكهرباء والاحتلال

 


تقود البنية الواقعية للشبكة الإقليمية إلى خلاصة واحدة: الغاز الذي يصل إلى سوريا عبر الأردن ومصر يمر ضمن منظومة يعتمد عمودها الفقري على الإمدادات الإسرائيلية، سواء مباشرة أو عبر إعادة التسييل والتصدير.
تحافظ الحكومات على قدر من الغموض لتخفيف الكلفة السياسية، لكن هيكل الشبكة يكشف اعتماداً متبادلاً يصعب إنكاره.


تزداد المفارقة حدة في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ سورية في الجولان، وما يرافقه من عمليات عسكرية وضغوط إنسانية. في هذا السياق، يحمل احتمال تشغيل محطات سورية بغاز مصدره إسرائيل دلالة رمزية ثقيلة، تتجاوز الحسابات التقنية.


ومع ذلك، تواجه دمشق أزمة كهرباء خانقة تمس المستشفيات والصناعة والحياة اليومية. هنا يتحول سؤال الطاقة إلى معادلة قاسية بين السيادة والضرورة.


هل تستهلك سوريا غازاً عربياً، أم طاقة إسرائيلية معاد تدويرها عبر شبكات عربية؟


من دون شفافية تعاقدية كاملة، سيبقى الجواب معلقاً داخل منظومة صُممت خصيصاً لطمس المصدر… مع ضمان استمرار التدفق.

 

https://thecradlearabic.com/articles/mn-ayn-yaty-alghaz-al-sorya-thkyk-fy-msar-alamdadat-byn-alardn-omsr-oasrayyl